الغزالي

43

الأربعين في اصول الدين

باعتقاده الطهارة ، فيجب عليه الاستقصاء والمعاودة ، وأولئك قوم شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم ، فهلكوا باستقصائهم كما قال عليه السلام : « هلك المتنطّعون » « 1 » . فكذلك في الحلال ، أنت متعبد بما يطمئن إليه قلبك ، لا بما يفتي به المفتي ، فاستفت قلبك . فصل إياك أن تشدد على نفسك فتقول : أموال الدنيا كلها حرام ، وقد أخبثتها الأيدي العادية « 2 » ، والمعاملات الفاسدة ، فأقنع بالحشيش مترهبا ، أو أتناول من الجميع متوسعا ، لا أفصل فيه بين حلال وحرام . بل اعلم قطعا ، أن الحلال بيّن « 3 » والحرام بيّن ، وبينهما أمور متشابهات . كذلك كان في عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكذلك يكون أبد الدهر . فاستمد من السر الذي ذكرناه ، فإنك غير متعبّد بما هو في نفسه حلال ، بل بما هو في اعتقادك حلال ، لا تعرف سببا ظاهرا في تحريمه ؛ فقد توضأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مزادة « 4 » مشرك ، وتوضأ عمر - رضي اللّه عنه - من جرة نصرانية . ولو عطشوا لشربوا منه ؛ وشرب الماء النجس حرام ، ولكن استصحبوا يقين الطهارة ، ولم يتركوها لتوهم النجاسة . وكذلك كل مال صادفته في يد رجل مجهول عندك حاله ، فلك أن تشتري منه وتأكل من ضيافته ، تحسينا للظن بالمسلم ؛ فإن الأصل أن ما في يده فهو حلال ، وما تصادفه في يد رجل عرفته بالصلاح فهو أولى بأن تعتقده حلالا . نعم يجب الحذر مما تصادفه في يد سلطان ظالم ، أو رجل عرفته بالرّبا أو بيع الخمر . فيجب الحذر منه حتى تسأل وتستقصي ، وتعرف من أين حصل له . فإن ظهر لك جهة حصوله وأنه حلال ، فلك أخذه ، وإلا فلا . فالاعتماد على العلامة الظاهرة ، وهي قرينة حاله . وهذا إذا كان أكثر أمواله كذلك ، فإن كان أكثرها حلالا فلك أن تأكل منه ؛ وإن تركته فذلك ورع ؛ فقد

--> ( 1 ) المتنطعون : المتحذقون الذين يتشدقون في كلامهم . ( 2 ) العادية : الظالمة . ( 3 ) بين : ظاهر . ( 4 ) مزادة : ما يوضع فيه الزاد .